حيدر حب الله

115

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

ولا أظنّ أنّ الكثير من معارضي نظريّة عدالة الصحابة أجمعين يشكّكون - في الفترة النبويّة - في نزاهة أكثر من شكّكوا في نزاهته بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ، فالمشكلة ليست في الفترة الأولى ، وإنّما في مجموع حياة الصحابيّ . وإذا كان كثيرٌ من فقهاء أهل السنّة - عدا جملة من فقهاء الشافعيّة - يرون الخارجين على أمير المؤمنين بغاةً ، ويرون البغي اسمَ ذمّ ، فكيف يمكن الجمع بين هذه النظريّة وبين تعديل جميع الصحابة ؟ ! إنّني أعتقد بأنّ هذا الدليل غير موفّق ، إلا - على أبعد تقدير - بمقدار ما توصّلنا إليه في البحث القرآني ، من التعديل الأغلبي كما شرحناه ، وإلا فهذا الدليل لا يحقّ له - لتكوين صورة عقلانيّة - أن يكتفي بمشهد المعاصرة للنبي أو مشهد المشاركة في الفتوحات ، دون المشهد الذي نقله لنا التاريخ لاحقاً . المبرّر العقلاني الاعتباريّ الثاني : ما يُنسب إلى أبي زرعة الرازي ، من أنّه قال : « إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - فاعلم أنّه زنديق ؛ وذلك أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حقّ ، والقرآن حق ، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وإنّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتابَ والسنّة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة » « 1 » . وهذا الدليل الاعتباري المستكنّ في وعي الكثيرين من أنصار نظريّة عدالة الصحابة ، والذي صاغه بهذه الصورة أبو زرعة الرازي ، يجعل من نظريّة عدالة الصحابة أساس حجيّة الكتاب والسنّة ، فلا من كتابٍ ولا سنّة من دون عدالة الصحابة ، ولهذا نجد أنّ الكثير اليوم من النقّاد على الشيعة يرون أنّ الشيعة لا يؤمنون بسنّة النبيّ ؛ لكونهم يحملون موقفاً سلبيّاً من جمهور الصحابة .

--> ( 1 ) انظر : مسند ابن راهويه 1 : 26 - 27 ؛ والكفاية في علم الرواية : 67 ؛ وتاريخ مدينة دمشق 38 : 32 - 33 ؛ وتهذيب الكمال 19 : 96 ؛ والإصابة 1 : 22 .